Logo

موسوعة

mawswa3a
العودة للمقالات

علم الكلام وعلاقته بالفلسفة

علم الكلام وعلاقته بالفلسفة

أسباب نشأة علم الكلام:
أ) الأسباب الداخلية:
عندما ظهر الإسلام كانت المجتمعات التي توجد المنطقة التي تسمى بالعربية أما القبائل أو الشعوب، وكانت الهجرة بمثابة ترقي إلى ما فوق الطور القبلي فقد قطعت الروابط القبلية وأصبح المؤمنون من القبائل المختلفة يخضعون لنظام معاملات واحد كما في (الصحيفة) وبدأت الأمة العربية المسلمة جنيناً في رحم هذا المجتمع (الشعب).
وكانت فترة الخلافة الراشدة امتداداً لمدرسة النبوة فقامت على المساواة بين الناس – وقطع العلاقات العشائرية والقبلية غير أنه بعد عهد الخلافة الراشدة بدأ تراخي في تطبيق مبدأ المساواة (رغم الإقرار النظري) مما أدى لنشوء صراع اجتماعي أخذاً شكل صراع داخلي قائم بين قوى تستهدف كل منها الخلاف (الدولة أداة السيطرة على الإمكانيات المشتركة) وتدعو كل منها أنها أحق من غيرها بها، وتحاول إيجاد تبرير ديني لذلك، وأن كانت كل منها تحمل معها تراثها القبلي فيما تدعيه من وحدة الأصل (الأمويين، الهاشميين، العباسيين ...) كما دخل هذا الصراع الشعوب غير العربية والتي ضمتها الدولة مثل فارس (إيران).
كل ذلك بمثابة توافر لشروط الذاتية لنمو بذرة المذاهب الكلامية ومن ثم علم الكلام ففرقة الخوارج كان أغلب أنصارها من القبائل العربية غير القرشية لا جعلوا من مبادئهم أن الخلاف ليست في قريش وليست لعربي دون عجمي وقد اختاروا عبد الله بن وهب بالراسبي أميراً عليهم أول وهو ليست قرشي.
ويري غير قليل من الباحثين أن فرقة الشيعة نجد جذورها في الأفكار الفارسية حول الملك وورثته وأن التشابه بين مذاهبهم ونظام الملك الفارسي وأضح. كما كان أغلب أنصار مذهب المعتزلة من الموالي وهم أبناء الشعوب غير العربية التي ضمت إلي الدولة. وكان من أنصار مذهبي الجبر والإرجاء الأمويين حتى قيل " الجبر والإرجاء دين الملوك ". وفي هذه الأرض الواحدة انصهرت الشعوب حتى من خلال هذا الصراع وتفاعلت فصنعت من أرضها وبلغتها أنماطاً من الفكر والمذاهب والفن – والعلم والتقاليد وعناصر الحضارة الأخرى كان منها علم الكلام.
ب) الأسباب الخارجية:
إن الفتح الإسلامي شمل مجتمعات مختلفة في درجة تكوينها الاجتماعي، وبالتالي ذات حضارات مختلقة أي ذات أنماط مختلفة من الفكر والمذاهب والعقائد والفلسفات... وهذا ما اقتضى استخدام المناهج العقلانية والمنطقية في نقص هذه العقائد والفلسفات والدعوة إلى العقيدة الإسلامية.
مواقف من علم الكلام في الفكر الإسلامي:
أ) موقف الرفض المطلق (التحريم):
من ممثليه بعض متأخري الحنابلة والصوفية كالسيوطي" في كتابه (صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام) والهواري في كتابه (ذم المنطق وأهله) ، كما استند بعضهم إلى تأويل خاطئ لبعض أقوال المنطقية من السلف في النهي عن الخوض في الكلام تحت اسم (التفويض)

رأى “أرنست رينان” أن الحركة الفلسفية الحقيقية في الإسلام ينبغي أن تُلتمس في مذاهب المتكلمين. وهنا يقصد من حيث الأصالة غالبًا، حيث إنّ «علم الكلام» ظهرت بذوره مبكرًا عن حركة الترجمة للتراث اليوناني، وتطور بمنأى عن الفلسفة وبتداخل معها، وهو يختص بالبحث في أصول الاعتقاد بالعقل سواء من حيث إثبات العقائد بالأدلة العقلية، أو من حيث الرد على الخصوم ودرء «الشبهات» المُثارة نتيجة الأحداث السياسية والاختلاط بأهل الملل الأخرى. لكن السؤال هل يدخل في نطاق الفلسفة؟، هل يمكن القول بأنّ علم الكلام أحد أشكال التفلسف عند المسلمين؟، والإجابة هنا حسب تعريف معنى «التفلسف»، فإن كانت الفلسفة هي البحث في الموجودات وحقيقتها بطريق البرهان والنظر العقلي؛ فإنها تشترك مع الكلام في آلياته. أما إن كان أحدهم يرى أنّ الفلسفة يجب أن تبحث في الوجود متحررة من النصوص الدينية المُسبقة فربما يعترض على إدراج الكلام ضمن الفلسفة، رغم أنّ ذلك أيضًا من المفترض أن يكون ماهية الكلام، إذ إنّه يقوم على طريق الأدلة العقلية وليست الشرعية – وقد يرى البعض الجمع بينهما-، إنما قد يعترض المعترض أنّه لإثبات ما في النص الديني أصلًا أو الدفاع عنه.

وأيًا يكن الأمر، فلا شك أنّ الحركة الكلامية تمخضت عنها واحدة من أهم ملامح ممارسة التفكير العقلي في الإسلام، وأثرت المدارس الكلامية التراث العقلي الديني والفلسفي. وقد كانت هناك عوامل داخلية وخارجية تسببت في نشأة الكلام، منها الخلاف السياسي حول الإمامة، والخلاف الديني حول بعض النصوص الدينية، وقيل إنّ من أوائل المسائل الاعتقادية التي أُثيرت «القدر»، ومن العوامل الخارجية التقاء الجماعة الإسلامية بالحضارات والديانات الوافدة عليهم، ثمّ أخذ في التطور لبعد حركة الترجمة، وارتبط بالمنطق. وانشغال المسلمين بالكلام نابع عند بعضهم من أنّ القرآن نفسه قد انشغل بالعقائد والنبوات والرد على المخالفين من أهل الشرك أكثر من اشتغاله بالأحكام، وفي هذا يذهب الفخر الرازي إلى أنّ الآيات الواردة في الأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية، أمّا البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة، والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين.

والأهم هنا ليس التطرق إلى تاريخ الكلام ومدارسه بالطبع، بل إثارة التساؤل هل علم الكلام فلسفة؟، وفي ذلك يرى الدكتور صلاح رسلان: إنه لما حدث المزج والاختلاط بين موضوعات الكلام وموضوعات الفلسفة، خصوصًا عند متأخري المتكلمين، ثارت مشكلة موضوع علم الكلام: فقيل هل يشمل الكلام موضوعات الاعتقاد فقط بغية إثباتها، أم يشمل أيضًا الوسائل المؤدية إلى هذا؛ كفنون البحث العقلي والدليل المنطقي؟، وقد اختلفت الآراء حول هذه المشكلة:

بعض العلماء كابن خلدون، يقرر الفصل بين الكلام والفلسفة من حيث الموضوع والغاية والمنهج، وضرورة حذف موضوعات الطبيعيات والإلهيات من نطاق الكلام لعدم حاجته إليها.

وهناك بعض المتكلمين، مثل عضد الدين الإيجي، الذي يذهب في كتابه (المواقف) إلى القول بإنّ المنطق جزء من الكلام، وعلم الكلام عند الإيجي يشتمل معًا على العقائد وكل ما يعين عليها كموضوعات المنطق ومباحث الحال والوجود وغيرها.

وترى طائفة أخرى أنّ حاجة العقائد إلى المنطق ليس باعتباره جزءًا من علم الكلام، بل باعتباره علمًا قائمًا بذاته، وأنه خادم العلوم.

ويرى الدكتور إبراهيم ياسين في كتابه (مدخل إلى الفلسفة الإسلامية) أنه من الخطأ الظنّ أنّ الكندي أول من تفلسف من العرب، فإنّ كل محاولة كلامية سابقة عليه تُعد بداية للتيار الفلسفي الإسلامي، والنظام وأبو الهزيل العلاف هما من المتكلمين والمعتزلة الذين قدموا نسقًا فلسفيا متناسقا سابقًا على الكندي.

وواقع الحال يُظهر أنّ التفاعل موجود بين الفلسفة والكلام والمنطق بلا شك، وأنّ اشتغال المسلمين بالكلام فيه أصالة، وأن لو كانت هناك أزمة، فإنها ليست أزمة الأصالة، ولا أزمة هل الكلام تتضمنه الفلسفة، أم هو مستقل عنها؟، بل الأولى بالبحث والتساؤل: ما الذي حققته الحركة الكلامية للعالم الإسلامي على الصعيد الإبستمي المعرفي؟، هل حرّرت الفرق الكلامية العقل من قيود المرجعية النصيّة، أم دارت في فلك النص؟. وأيًّا تكن الإجابة فالكلام نفسه اشتغل به المدافعون عن العقيدة التي أتت بها النصوص، وكانت طريقتهم استعمال الأدلة العقلية والمنطق والجدل، لكن هذا وإن كان يشير إلى أن الحركة الكلامية أصولية، حتى أنّ من أسماء علم الكلام «أصول الدين»، إلا إنّه لا يمنع أبدًا أنّ الحركة الكلامية قد أكسبت العقل الإسلامي مرونة.