Logo

موسوعة

mawswa3a
العودة للمقالات

الفرق بين الفلسفة وعلم الكلام والتصوف والعلاقة بينهما

الفرق بين الفلسفة وعلم الكلام والتصوف والعلاقة بينهما

هــل التصوّف فــلــســفــة؟

إثارة ذلك التساؤل أيضًا ينبغي للإجابة عنه تحديد معيار «الفلسفة»، فهل هي النظر بعين العقل والاستدلال والبراهين المنطقية فقط، أم أنّ كل تصور عن الوجود والعالم يجمع أنماطًا عقلية وروحية يُعد فلسفة؟. هل الفلسفة تقتصر على الدليل البرهاني، أم أنّ الإشراق والعرفان والغنوص والتصوف فلسفات؟.

إن «حب الحكمة» بمعنى الفلسفة اللغوي الأقرب قد يكشف لنا أنّ الحكمة قد تُطلب بطرق عدة، سواء بالطرق الاستدلالية البرهانية، أو الطرق الصوفية، أو حتى الدينية النصيّة. لكن هل أي طريقة لطلب الحكمة تُعد فلسفة؟، هذا هو الإشكال، وذلك الإشكال ربما هو الذي أظهر مصطلح «فلسفات دينية» ليدل على بعض المعتقدات مثل الكونفشيوسية، وربما هذا المصطلح يمكن أن يكون الأقرب للمدارس الصوفية.

والمتصوفة في الإسلام منهم من كان على طريق التصوف السُني، الذي لا يخرج عن النص الديني ويتمسك بالأصول التي يتوافق عليها أهل السُنة، وهناك التصوف الفلسفي الذي منه وحدة الوجود، والحلول والاتحاد.

يرى الدكتور إبراهيم ياسين أنّ هناك العديد من الفروق الواضحة بين الفلسفة الإسلامية والتصوف الإسلامي، كما أنّ هناك فروقًا بين المتفلسف أو الحكيم المتألّه والصوفي؛ فالفلسفة تنظر بعين العقل وتجري على طريق الاستدلال والبراهين المنطقية والعقلية، وموضوع الفلسفة معرفة حقائق الأشياء سواء كانت طبيعية أو رياضية أو ميتافيزيقية، وأنّ الفلسفة الإسلامية تقوم على أساس من الدين وتركن إلى الجانب الروحي. أمّا التصوف الإسلامي فيسلك طريقًا روحيًا يعلي من شأن الروح ويُرجع جميع الآفات إلى البدن، لكنّه أيضًا يخوض في نظريات كالعلم الإلهي والمعرفة اللدنية، ومسائل كالماهية والوجود، والعلم بالكليات والعلم بالجزئيات ومراتب الوجود، وهذه مسائل فلسفية تجعل من الصعب أن تكون هناك فروق حاسمة بين التصوف والفلسفة.

ويرى الدكتور صلاح رسلان أنّ من أرباب التصوف السني «الغزالي» الذي لم يقبل من التصوف إلا ما كان متماشيًا تمامًا مع الكتاب والسُنة، وراميًا إلى الزهد والتقشف وتهذيب النفس وإصلاح أخلاقها، وأنّ الغزالي قد عمّق الكلام في المعرفة الصوفية، وحمل على مذاهب الفلاسفة والمعتزلة والباطنية؛ ومن هنا خالف الغزالي تصوف الحلاج والبسطامي في الطابع.

ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ التصوف قد تأثّر بمصادر أجنبية خصوصًا مذهب الأفلاطونية المحدثة، والفلسفات الدينية الهندية. لكن لم يكن عدوًا للعقل أو اتجاهًا مضادًا له بالمطلق؛ فالتصوف أصبح مزيجًا من الاستدلال المعتمد على العقل بجانب المسلك الروحي، فمثلا يقول نصير الدين الطوسي «وبالجملة فإنّ جميع العلوم اليقينية مبنية على الوقوف على حقائق المعقولات التي هي تصوراتها حتى تأتي التصديقات المبنية عليها». ولم يتوقف كل من الطوسي والصدر القونوي عند حد استخدام الأساليب المنطقية كالاستدلال والقياس والاستقراء، وإنما طورا أسلوبًا للتعبير مرتبطًا بمستويات التعبير اللغوي، ومراتبه، ومحتواه العرفاني والكشفي.

وإن يكن هنا من إشكالية فهي إشكالية التصوف بشكل عام وليس التصوف الإسلامي بشكل خاص، فالتساؤلات التي ينبغي أن تُطرح: هل التصوف يتسم بالذاتية والتجربة الشخصية، أم يسلك طريقة موضوعية يمكن البرهنة بها على ضرورة سلك مسالك الصوفية؟، هل هو مجرد تجربة روحية تسمو بالنفس الإنسانية، وتستعمل اللغة بطريقة مجازية وتحاول أن تدعو إلى الزهد والحب والتصفية، أم مجرد هروب من قصور العقل – في نظر البعض- أن يستدل باستقلالية على الحقائق الدينية والمعضلات الميتافيزيقية؟

وفي ظنّي أنّ التصوف هو أشبه بالفلسفة الدينية أو الفلسفة الروحية، فالتصوف الفلسفي هو أحد أشكال النظرة الفلسفية للوجود، إلا أنّه من الصعب أن أجد فيه الموضوعية. فالذي يميّز التصوف هو التجربة الذاتيّة؛ إذ لا أظنّ أن يستطيع بعض العارفين أن يقنع الآخر بطريقته إلا أن يكون لدى المتلقي الإرادة وإمكانية خوض التجربة بنفسه للوصول بذاته إلى المنشود.